ابن عربي
229
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
قريش ، وهابت هدمها ، وخشوا إن مسّوها أن ينزل اللّه عليهم عذابا من عنده ، ثم إنهم جمعوا رأيهم على هدمها ، والذي حرّضهم على ذلك وحثّهم عليه أن سفينة للروم انكسرت بالشعيبة ، ساحل مكة قبل جدة ، وكان في تلك السفينة روميّ يحسن البناء والتجارة ، يسمى ما قوم ، فأخذت قريش خشب تلك السفينة ، فكان وجود الصانع والآلات والخشب حثّهم على ذلك ، فأجمعوا وتعاونوا وتوافدوا وربعوا قبائل قريش أربعا ، ثم اقترعوا عند هبل في بطن الكعبة على جوانبها ، فطار قدح بني عبد مناف وبني زهرة على الوجه الذي فيه الباب وهو الشرقي ، وطار قدح بني عبد الدار وبني أسد بن عبد العزّى وبني عدي بن كعب على الشق الذي يلي الحجر وهو الشق الشامي ، وطار قدح بني سهم وبني جمح وبني عامر بن لؤي على ظهر الكعبة وهو الشق الغربي ، وطار قدح بني تميم وبني مخزوم وقبائل من قريش ضموا معهم على الشق اليماني الذي يلي الصفا وأجياد ، فنقلوا الحجارة ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غلام لم ينزل عليه وحي ينقل معهم الحجارة على رقبته ، فبينما هو ينقلها إذ انكشفت نمرة كانت عليه ، فنودي : يا محمد عورتك ، وذلك أول ما نودي واللّه أعلم ، فما رؤيت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عورة بعد ذلك ، وأدرك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الفزع حين نودي ، فأخذه العباس بن عبد المطلب فضمه إليه ، وقال : لو جعلت نمرتك على عاتقك تقيك الحجارة ، قال : ما أصابني هذا إلا من التعري ، فشدّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إزاره ، وجعل ينقل معهم ، وكانوا ينقلون بأنفسهم تبررا وتبركا بالكعبة . فلما اجتمع إليهم ما يريدون من الحجارة والخشب ما يحتاجون إليه ، وغدوا على هدمها ، فخرجت لهم الحية التي كانت في بطنها تحرسها ، سوداء الظهر ، بياء البطن ، رأسها مثل رأس الجدي ، تمنعهم كلما أرادوا هدمها ، فلما أرادوا ذلك اعتزلوا عند مقام إبراهيم عليه السلام ، وهو يومئذ في مكانه الذي هو فيه اليوم ، فقال لهم الوليد بن المغيرة : يا قوم ، ألستم تريدون بهدمها الإصلاح ؟ قالوا : بلى ، قال : فإن اللّه لا يهلك المصلحين . ولكن لا تدخلوا في عمارة بيت ربكم إلا من أطيب أموالكم ، لا تدخلوا فيه مالا من ربا ، ولا مالا من ميسر ، ولا مالا من مهر بغيّ ، وجنّبوه الخبيث من أموالكم ، فإن اللّه لا يقبل إلا طيبا . ففعلوا ، ثم وقفوا عند المقام ، فقاموا يدعون ربهم ، ويقولون : اللهم إن كان لك في هدمه رضا فأتمه ، واشغل عنا هدا الثعبان ، فأقبل طائر من جو السماء كهيئة العقاب ، ظهره أسود ، وبطنه أبيض ، ورجلاه صفراوان ، والحية على جدار البيت فاغرة فاها ، فأخذ برأسها ثم طار بها حتى أدخلها أجياد الصغراء . فقال الزبير بن عبد المطلب :